عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
94
معارج التفكر ودقائق التدبر
ويبيّن له فيه الطّور الّذي وصل إليه أكثر قادة كفّار مكّة إبّان هذه المرحلة من مراحل دعوته صلّى اللّه عليه وسلّم . أمّا الدّرس الثاني من دروس السّورة ، فقد تضمّن توجيها للرّسول أن يضرب لكفّار مكّة يومئذ مثلا تاريخيّا مشابها لبعض حالهم ، لعلّهم يعتبرون به . وهذا التوجيه هو في الحقيقة توجيه من اللّه لهم بأسلوب غير مباشر ، فيه معنى الإعراض عنهم ، لكثرة عنادهم وإصرارهم على الباطل ، ومعاداة الحقّ الرّبّاني . هذا المثل التاريخيّ هو واقع حال أصحاب القرية الّتي جاءها المرسلون الثلاثة ، فكذّبوهم ، وتوعّدوهم بالقتل رجما بالحجارة ، وبعذاب أليم ، ثمّ قتلوا الرّجل المؤمن من أهل قريتهم الّذي جاء يسعى من أقصى المدينة لنصرة الرّسل ببياناته ومناظراته ، فلمّا أفحمهم قتلوه ، فأهلكهم اللّه بالصيحة ، أي : بصوت عظيم قاتل . وأمّا الدرس الثالث الّذي أتوكّل على اللّه عزّ وجلّ في تدبره ، فهو يتضمن بيانات إقناعية موجهة من اللّه عز وجل للقوم بأسلوب الحديث الموجّه للغائبين ، مراعاة لحالة إعراضهم أو إدبارهم عن تقبّل بيانات الدّعوة إلى الحقّ ، والنّجاة والفوز بالسّعادة الخالدة ، مع ملاحظة حال الّذين لم يصيروا ميؤوسا منهم من قومه . وابتدأ بالتعقيب على قصة أصحاب القرية المهلكين بعبارة تتضمّن التّحسّر على العباد الذين يهلكون أنفسهم في العاجلة ، ويعرّضونها للخلود في عذاب النار يوم الدين ، بكفرهم وعنادهم وتكذيبهم رسل ربّهم ، واستهزائهم بهم . التحسّر : أثر من آثار الرحمة التي تكون بسبب حلول المصيبة أو الخوف من حلولها .